‫الرئيسية‬ منوعات سياسة ليلة سقوط إلياس الفخفاخ!
سياسة - 26 يونيو، 2020

ليلة سقوط إلياس الفخفاخ!

هي بلا شكّ من أطول الليالي التي عاشها التونسيّون لمتابعة أطوار مسرحيّة، من نوع الوان مان شو، كان السيّد إلياس الفخفاخ، رئيس الحكومة، بطلها الوحيد، لا ينازعهُ في ذلك سوى إصراره على المضيّ قدمًا في سياسة الهروب إلى الأمام. وهي بلا شكّ ليلة المغالطات بامتياز، والسخرية من التونسيين، والعبث بمقدّراتهم، ورفع شعارات مكافحة الفساد وفعل ما يناقضها تماما، كان بطلها مرّة أخرى رئيس الحكومة، لا ينازعه في ذلك سوى غطرستهِ وتعامله الاستعلائيّ مع مداخلات النوّاب. وهي أيضا ليلة النّهايات، نهاية الثقة في رئيس حكومة غالط الشعب، بخصوص ملفّ تضارب المصالح، ونهاية حكومة سعت جاهدة إلى الحفاظِ على تماسكها، على حساب المحاسبة الحقيقية، ونهاية مرحلة، قد تفتح على المجهول، في صورة تمسّك النواب بسحب الثقة من الفخفاخ.
والحقّ، أنّ ما فعله الفخفاخ بنفسه، خلال جلسة الحوار التي تحوّلت إلى مساءلة، لم يفعله خصومه السياسيون به، إذ فضّل المغالطة، حتّى لا نقول الكذب، بدلاً عن المكاشفة، والغطرسة بدلاً من الاعتذار، والتعالي على ممثلي الشعب بدلاً من الاستقالة بعد ما ثبت بالدليل والبرهان أنّ ملفّ صفقة النفايات لم يكن سوى الشجرة التي حجبت الغابة!

مأسسة الفساد

ولم يشفع لرئيس الحكومة منطقه الاستعلائيّ وهو يخاطب نوّاب الشعب حين طالبوه بالاستقالة، تمهيدًا لمحاسبته قضائيا، أو زيارته مساء أوّل أمس إلى مونبليزير، طلبا لحماية راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة، ورئيس مجلس نواب الشعب، كما لم يشفع له ذلك الجرد “الأجوف” لمائة يوم من عمل الحكومة أو وعوده بتمليك التونسيين ـ300 ألف منزل، ذلك أنّ ما قيل على لسان النوّاب، وتحديدًا، النائب ياسين العيّاري، يشكّلُ فضيحة دولة بامتياز، عدا عن كشفه حجم “الأكاذيب” المروّجة من بعض أحزاب الحكم حماية لرأس إلياس الفخفاخ.
إذ ثبت أنّ رئيس الحكومة لم يكن يمتلك أسهمًا في شركة واحدة، هي موضوع فضيحة تضارب المصالح، بل في أكثر من شركة استفادت من وجوده على رأس الحكومة دون وجه حقّ. والغريب أنّ الفخفاخ تعمّد إخفاء كلّ هذا أثناء التصريح بمكاسبه، ضاربا عرض الحائط بالفصل 18 من القانون بالمتعلّق التصريح بالمكاسب والمصالح وبمكافحة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح، الذي يمنع بل ويحجّر على رئيس الحكومة، أن يمتلك أسهما في أي شركة خاصة مهما كانت، وأن يكون مسيّرا لأيّ شركة خاصة كما يطالبه بالخروج من أي مسؤولية وتكليف غيره بالتصرف في أسهمه في ظرف أقصاه 60 يوما من توليه المسؤولية.
فماذا فعل رئيس الحكومة؟ كلّف ترسانته الاتصالية بالترويج لقرار التفويت في منابه في مجمّع فاليس، بعد تجاوز الآجال القانونية، وهو ما يعرّضه إلى عقوبة السجن بسنتين. حتّى لو افترضنا حسن النيّة في هذا الملفّ بالذات، فماذا عن بقيّة الشركات التي يمتلك فيها أسهمًا ولم يفوّت فيها بالبيع؟ هل كان ينتظر مداخلة النائب ياسين العيّاري، ليلة أمس، لكي يفوّت فيها.
وإذ تكفي هذه “الجريمة” لوحدها لإدانة رئيس الحكومة، فإنّ سلسلة المغالطات لا تتوقّف عند هذا الحدّ، بل تتعدّاها إلى ما أشنع من ذلك، كإيقاف الصفقات العمومية خلال فترة الحجر الصحيّ، لنكتشف في ما بعد، أن صفقة النفايات رست على المجمّع الذي يمتلك فيه الفخفاخ أسهمًا عبر شركة ثانية، ما حقّق له صفقة بقيمة حوالي 43 مليارًا من المليمات، أي في الوقت الذيّ جُوّع فيه التونسيون، وأُجبرت المؤسسات على إغلاق أبوابها دون أن تستفيد من أيّ إجراء أعلن عنه رئيس الحكومة، حتّى اضطّر بعضها إلى تسريح عمّالها.
ماذا يمكنُ أن نسمّي هذا؟ تضارب مصالح أم تلاعبًا متعمّدًا بالمنصب من أجل تحقيق منافع شخصيّة، ما يرفعها إلى مستوى الجريمة المتعمّدة؟

الاستقالةُ لا تكفي

ماذا نسميّ سياسة “الزبونيّة السياسية” التي كنّا نبّهنا إليها على أعمدة شكشوكة تايمز، حين أشرنا إلى تعيين رئيس الحكومة للمقرّبين منه في مواقع متقدّمة، على شاكلة وزيرة العدل التي اتضح أنّ شقيقها هو محامي شركات رئيس الحكومة، أو تعيين عضوة بحزبه، الذي لم يفز بأيّ مقعد في البرلمان، وزيرة وناطقة رسميّة باسم الحكومة في تحايل واضح على إرادة الناخبين، أو تمتيع شركة اتصال وخدمات عامة، تعامل معها في حملته الرئاسيّة، بكلّ صفقات الحكومة الاتصاليّة؟
ماذا نسميّ توزيع فيلق مساعديه في حملته على الإدارات الحسّاسة في البلاد؟ ماذا نسميّ تدخلّ رئيس الحكومة في الصفقات العمومية، بينما الجميع منشغلون بتطور الوضع الصحيّ في البلاد؟ ماذا نسمّي سكوت رئيس الحكومة عن مصير مبلغ الثمانية آلاف مليار التي جمعها في أقلّ في شهر ونصف، من الهبات والقروض والمساعدات الداخلية والأجنبيّة، وهو ما كنّا قد أشرنا إليه أيضا في أكثر من مقال؟ ألا يعدُّ هذا فسادًا من داخل الدولة وباسم الدولة؟
ما هو ثابتُ لدينا أنّ الفخفاخ يتحمّل لوحده المسؤولية الأخلاقيّة والقانونيّة في جملة هذه الملفات، علاوةً على فقدانه لرصيده الأخلاقيّ والسياسي، ما أفرغَ خطابه يوم أمس حول “إنجازات” حكومته من أيّ معنى. أمّا منطق المناورة الذي اعتمده مستعينا بحزب التيار الديمقراطي تحديدًا، الذي بات يبرّرُ ما لا يبرّرُ، أو اختبائه وراء مفردة بغيضة ومتغطرسة هي “يبطى شويّة”، فلن تنقذهُ من المساءلة القضائيّة، ذلك أنّ سحب الثقة من حكومته لم يعد مطلبًا برلمانيّا فقط، وإنّما مطلب شعبيّ، لا بدّ أن تعقبه المساءلة القضائيّة، ليعرف كلّ مسؤول سياسيّ ما الذي سيقدمُ عليه مستقبلاً، خصوصا حين يضع يده على القرآن الكريم، ويحلف زورًا بحماية مصالح هذا الشعب المغلوب على أمرهِ.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *